رياح الياسمين
عاشت الشعوب العربية والاسلامية التهميش والفقر بشتى انواعهما ، كما تعاني من انظمة تعليمية مستهلكة وعديمة الجدوى ، ونظام قضائي تطغى عليه كل اشكال وانواع الطبقية.
هذه الاوضاع بمجموعها وبالاضافة الى ما تعانيه هذه الامة من ضغوط على مستوى دينها وافكارها ومعتقداتها، خاصة فيما يسمى محاربة الارهاب الذي هو حق اريد به باطل، ونشر العلمانية لمحاربة هذه الشعوب في عقر دارها ومن ابناء جلدها. وكذلك ما تعانيه جراء الاحداث التي تعيشها معظم البلدان الاسلامية، بداية بفلسطين مرورا بالعراق وصولا الى افغانستان وانتهاء بالاستعمار السياسي والاقتصادي ،هذا الاقتصاد الدي بدوره يعتمد على الريع، والقمع الذي يعشه كل فرد من ابناء هذه الامة في حياته اليومية، وانتشار البطالة بشكل وصل معه الامر الى حد حرق الجسد رغبة في ايجاد الخلاص والهروب من هذد الاوضاع المميتة، مما ادى الى اندلاع ما يسمى بثورات الربيع العربي الذي استبشرت به كل الشعوب العربية خيرا، فكانت ثورة الياسمين بتونس النبتة الاولى في الربيع وجاءت علي حين غفلة من اهل الشان السياسي والمخابراتي ليس على مستوى التونسي فقط، وانما حتى على مستوى الدولي، وهذا ما ستؤكده الاحداث التي اتت فيما بعد.
هرب بن علي امام ذهول المجتمع الدولي والشعوب العربية التي لم تستطع ان تصدق ما تسمع، غير ان الامر كان حقيقة، فوصلت رائحة الياسمين الى الجوار وبشكل متسارع ، فاطاحت وخلعت مبارك، (فكانت معركة الجمل للمرة الثانية في التاريخ الاسلامي) فواصلت رياح الياسمين العاتية وفي ايامها الحسوم طريقها الى الجواري المحاذي وكانها رجعت الى شيء كان عليها ان تبدأ به لكنها ربما اخرته لعلمها بان امره عصي نوع ما ، حتى انه تنكر لها وقال لها: "من انتم" مع العلم ان العالم كله يعرفها . فلم تجد بدا من الاستعانه بالعدو والصديق لتقضي على الجرذ الاكبر فتوقفت هناك لمدة وارسلت رياحها الفبرايرية الى الجوار ، بل وصل مداها الى ثاني اكبر فريق في الامة الاسلامية في الخليج، هنا فقدت قوتها واختلطت عليها الامور فاصبحت مشتتة متفرقة.
فلما نهضت رياح الياسمين من مكانها الذي تنكر لها بعد ان عرفت بنفسها، وان كان هذا التعريف قد جعلها تفقد عذريتها وزخمها، كان عليها ان تعين وجهتها الجديدة، فنظرت في الجوار الفبرايري فوجدته ممزقا وخفت شوكته، غير انها لم تعلم انها كانت السبب في ذلك بعد طول مكوثها في جلسة التعريف، والطريقة التي عالجت بها الامور هناك. فلم يكن منها الا ان تتوجه الى بلاد الصالحين حيث فاتها القطار في مكان لا قطار فيه، فاستعصى عليها الوصول الى مبتغاها ، فواصلت المسير على الاقدام فاصابتها رمال في عينيها فتوجهت لتكشف عن دائها عند طبيب العيون الدمشقي ، غير انه كان قد سمع بها وضائق ضرعا بها، ولم تعلم ايضا ان زيارتها لطبيب العيون ستكون المحطة الاخيرة في طريقها، لان الامر اصبح فوق طاقتها( وفوق طاقتك لا تلام) فاستغل اعداؤها ذلك، فاحكموا قبضتهم عليها وحاصروها في مستنقع الشام، لان الامر حينئذ اصبح خطيرا لانه اقترب من الفتى المذلل، وهنا لابد من اخذ الحيطة والحذر. اذ ان الامر يحتاج الى تفكير وتدبير من طرف الراي العام الدولي ، فالفتى المذلل سيصبح محاصرا من كل الجهات، وهذا شيء لا يجب ان يكون وغير مسموح به، خاصة انه لا احد يعلم نوايا هذا الربيع اتجاه هذا الفتى، وان كانت بالنسبة لابناءهذا الربيع معروفة ومعلومة منذ زمن بعيد.
وفي انتظار كيفية خروجها من الشام ، وما ستتنتجه ثمارها في بلاد الفراعنة والقيروان واصحاب النهضة والعم صالح، تتأجل احلام الشعوب العربية الى حين.
ذ: محمد سكرطاح
التسميات
مقالات وأفكار
