دور الخطيب في الحفاظ على الأمن
من خلال الدعوة الى الوسطية والاعتدال.
م
ن "دور الخطيب في ال الى الوسطية "
تقديم:
(الموضوع ألقيته في محاضرة في لقاء نظمه المجلس العلمي المحلي بالصويرة بمناسبة ذكرى عيد الاستقلال)
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى اله وصحبه ومن والاه ، اللهم لا سهل الا ما جعلته سهلا وانت تجعل الحزن اذا شئت سهلا ، اللهم لا علم لنا الا ماعلمتنا انك انت العليم الحكيم، اللهم لا فهم لنا الا ما فهمتنا انك انت الجواد الكريم .
أيها الاخوة الكرام نحمد الله عز وجل ان وفقنا وإياكم للحضور والمشاركة في هذا اللقاء المبارك الكريم الذي نتمنى من الله ان نكون من المفيدين فيه والمستفيدين منه امين.
كما نتوجه بالشكر الجزيل لكل من أسهم في إقامة والسهر على تنظيم هذا اللقاء التواصلي المبارك، من مجلس علمي ومندوبية وخطباء وأئمة مؤطرين ومرشدين ومرشدات نرجو من الله ان يجعل ذلك في ميزان حسناتنا جميعا يوم لقائه.
وكما هو معلوم فان هذا اللقاء الكريم جاء احتفالا بذكرى المسيرة الخضراء المظفرة وعيد الاستقلال المجيد ، واعترافا بالتضحيات التي قدمها كل من جلالة المغفور لهما محمد الخامس والحسن الثاني طيب الله ثراهما وأسكنهما فسيح جنانه، في سبيل تحرير البلاد واسترحاع اقاليمنا الصحراوية الحبيبة ،وامتنانا كذلك بالخدمات والمجهودات الجبارة التي يبذلها صاحب الجلالة محمد السادس لهذا البلد، نتمنى من الله ان ينصره ويسدد خطاه ويحقق مسعاه وأن يمتعه بالصحة والعافية، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
اما بعد:
أيها الحضور الكريم ، ان العرض الذي سوف اتشرف بالقائه بين أيديكم وأمام حضراتكم كما هو مدون في البرنامج لديكم هو بعنوان: " دور الخطيب في الحفاظ على الامن من خلال الدعوة إلى الوسطية والاعتدال ".
وقد تناولته من خلال مقدمة وثلاثة محاور نطلب من الله عز وحل ان يوفقنا في ذلك:
مقدمة:
ان موضوع الأمن يعد وظيفة من وظائف المسجد الكثيرة والمتعددة التي تساهم في تنظيم حياة المجتمع المسلم، فالمسجد منبع الايمان ومنارة الهدى والامن والسلم والسلام، واثره في حياة المجتمع واضح لا يخفى على أحد، فهو الدعامة والركيزة الأولى لتحقيق الامن وتثبيث قيم الاخوة ونبذ الفرقة.
وهذه وظائف أو وظيفة ظاهرة وبارزة لمن تأمل رسالة المسجد عبر منابره وخطبه ، هذه المنابر التي تعتبر خاصية من خصائص هذه الأمة ، ووسيلة إعلامية مؤثرة في ظل عصر كثرت فيه وسائل الإعلام على شتى أنواعها واصنافها وأجناسها واختلاف مشاربها وتوجهاتها، وقوة تأثيرها على الافراد والمجتمعات كبيرة جدا. لكن بالرغم من ذلك يبقى لمنبر المسجد قوة مؤثرة نظرا للأعداد الكبيرة والجماهير الغفيرة التي تحج الى المسجد والالتفاف حول المنبر للاستماع للخطب ، هاته الخطب التي تعد كذلك مسؤولية عظيمة ومهمة شرعية جليلة ذات بعد واثر كبيرين ، كما يبقى خطيب المسجد اشد قوة وأكثر فاعلية من أي وسيلة أخرى في التأثير على افرد المجتمع ونشر ثقافة السلم والسلام والحفاظ على مقصد الامن الذي عده بعض المجتهدين والباحثين في علم المقاصد مقصدا سادسا من مقاصد الشريعة الإسلامية ، إضافة الى المقاصد الخمس المعروفة والتي هي حفظ الدين وحفظ النفس والنسل والعقل والمال ، بل إن بعضهم جعل مقصد الامن هو الأساس للحفاظ على الدين وبقية المقاصد الأخرى التي لا يمكن أن تنتظم إلا بوجود مقصد الامن.
وعلى هذا فإنه يجب علينا أن نولي هذه العناصر التي تساهم في الحفاظ على الأمن والمثمثلة في المسجد والمنبر والخطب والخطباء أهمية قصوى في سبيل تحقيق الامن والسلام لمجتمعاتنا . ومن هنا فإن دور الخطباء لا يعد ولا يحد ، فهم خط الدفاع الأول والمسؤولية تقع عليهم في توعية الناس وتقوية الوازع الديني لديهم وتسكين الفتن وتهذئة النفوس والحفاظ على امن المجتمع واستقراه وراحة واطمئنان الرعية وهذا بمنهج وسط معتدل من غير مغالاة ولا مجافاة ، مصداقا لقوله تعالى : " وكذلك جعلناكم امة وسطا ".
ولتحقيق ذلك يمكن للخطيب ان يسلك في دعوته مناهج عدة والتي حاولت أن اجملها في ثلاثة مناهج والتي سأتناولها من خلا ل المحاور الثلاثة التالية:
المحور الأول: منهج الدعوة إلى الوسطية والاعتدال من خلا ترسيخ العقيد الإسلامية الصحيحة .
إن منهج الدعوة إلى الوسطية والاعتدال في مبحث العقيدة من أهم ما يجب أن يتحدث عنه الخطيب ، ومن أبرز ما يمكن أن يوضحه للناس ويبين لهم وسطية الإسلام فيه ، والواقع يشهد ان المغالين والمتنطعين في باب الاعتقاد أشد الناس تعنتا واكثرهم تعصبا للرأي وربما دفعهم ذلك لاستعمال العنف والقوة لحمل الآخرين على تبني مواقفهم وسلوك منهجهم واعتناق مذهبهم ، وقد انزلق البعض في مسلك تكفير الاخرين والحكم عليهم بالتبديع والتفسيق والتضليل والعلمنة وغير ذلك، وهذه سلوكيات لها آثارها السلبية والسيئة تجرعت الأمة آلامها وغصصها ولا زالت تعيش شرورها ومحنها .
لذا وجب على الخطيب أن تكون دعوته في هذا الباب من خلال تأصيل معتقد أهل السنة والجماعة الذي من أهم قواعده عدم تنصيب النفس في الحكم على الآخرين ، وفي هذا الصدد نورد قولا للإمام ابي الحسن الأشعري رحمه الله:
"يقول -رحمه الله- وهو يؤرخ لمقالات مفكري الإسلام بمنهج علمي راق وموضوعي (...اختلف الناس بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم في أشياء كثيرة ضلل فيها بعضهم بعضا، وبرئ بعضهم من بعض، فصاروا فرقا متباينين وأحزابا متشتتين، إلا أن الإسلام يجمعهم ويشتمل عليهم..). من كتاب:"مقالات الإسلاميين" للإمام الأشعري.
ويقول ابن عساكر الدمشقي أن أبا علي زاهر بن أحمد السرخسي قال: ( لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري – رحمه الله- في داري ببغداد دعاني فأتيته فقال: اشهد على أني لا أكفر أحدا من أهل هذه القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف في العبارات). "تبيين كذب المفتري".
فإذا استطاع الخطيب ان يرسخ هذا المعتقد من خلال دعوته فإنه من الصعب أن تجد فكر التكفير والتبديع والتفسيق في أذهان الافراد وداخل ووسط المجتمعات الإسلامية ، والنتيحة تحقيق الوحدة على مستوى العقيدة، أو على الأقل قبول المخالف والتعايش معه، وتقديم التصح له ودعوته بالتي هي أحسن ، مصداقا لقوله تعالى : " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن " . وقوله تعالى: " ومن احسن قولا ممن دعا الى اللهوعمل صالحا وقال انني من المسلمين ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي احسن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كانه ولي حميم . صدق الله العظيم .
المحور الثاني : منهج الدعوة للإلتفاف حول ولاة الأمور.
ان الحديث عن منهج الدعوة الى الوسطية والاعتدال من خلال العقيدة يقودنا للحديث عن جزء آخر عده بعض العلماء من جزئياتها وباب من أبواها الا وهو البيعة وعلاقة الحاكم بالمحكوم ، إذ يجب على الخطيب ربط الناس عموما والشباب خصوصا بولاة أمورهم وبيان أن هذا الأمر أصل من أصول أهل السنة والجماعة وأنه واجب شرعي ، كما يجب علية ان يبين المصالح المترتبة على هذا الأصل وكذا المفاسد الخطيرة التي تحدق بالمجتمعات والبلدان التي تخل بهذا الأصل ، وتذكيره الناس بالواقع الذي تعيشه بعض الدول الإسلامية اليوم بسب الفرقة والنزاع باسم الخلافة والدين ، نطلب الله أأن يعجل لهم بالفرج وان يمدهم بالأمن والسلام .
فالدعوة اذن الى وجوب طاعة ولاة الأمور أمر رباني ، وضرورة شرعية، وتعد كذلك من أبرز الضمانات الكفيلة بتحقيق الامن في المجتمع المسلم، وهي أصل مهم ، وقاعدة كبرى ، ومنهج واضح ، وأساس قوي لترسيخ امنه والمحافظة علي وحدته، والقضاء على الفرقة والتشردم بين مكونات المجتمع ، وكذا القضاء على العصبية المقيتة.
وهذا كله، انطلاقا من قوله تعالى : " يايها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم " وقوله صلى الله عليه وسلم : " أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة».
فإذا تحقق هذا الأمر اجتمعت الكلمة ، وتوحد الصف ، ولم الشمل ، وابتعدنا عن الاختلاف والفرقة ، ودخلنا في قول الله عز وجل : " وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم".
المحور الثالث: منهج الدعوة الى الوسطية والاعتدال من خلال التحصين الفكري من المذاهب والمناهج المنحرفة .
وذلك للتعرض لها ومناقشتها فوق المنابر ، لا من أجل سبها ولعنها وخلق العداوة مع معتنقيها والمنتسبين إليها، وإنما من أجل تبيين أخطائها وفضح أفكارها وتحليلها تحليلا علميا وشرعيا وموضوعيا لإزالة الغطاء عنها وكشف مخططاتها أمام المتأثرين بها .
فمن الواجب على الخطيب أن يحذر من هذه المذاهب التي تنتشر بسرعة كبيرة خاصة في وسط الشباب ، خاصة وأن أصحابها يسخرون لها وسائل عديدة لنشرها وبث سمومها داخل المجتمعات الإسلامية، فهي تدعو الى الانحلال الأخلاقي والقضاء على القيم الإسلامية بل تصل بالبعض الى حد الالحاد، مما أدى إلى تكون حركات داخل المجتمعات تنكر أشياء معلومة من الدين بالضرورة وتنادي بها علنا كحركة " ماصايمينش".
كما تؤدي بالبعض الى الخروج عن جادة الصواب بسبب بواعث الفساد ونوازع الشر التي أحاطت بالمجتمع من خلال انتشار المخدرات والرذيلة واستفحال الجريمة بشتى أنواعها .
وأثر الخطيب في هذا الباب بالغ وفعال في تأكيد الهوية الإسلامية وتثبيث قيم الإسلام السامية، وتقوية الوازع الديني لدى الناس عموما والشباب خصوصا، وتوجيههم نحو المنهج الحق والاستقامة على شرع الله وأمره وطاعته، وطريقه المستقيم، حتى يستأصل نوازع الشر وبواعث الفساد وأسباب الجريمة، ليعيش الجميع في ظلال أخلاق الإسلام وقيمه في أمن وأمان وراحة واطمئنان، مصداقا لقوله تعالى: " ومن احسن قولا ممن دعى الى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسليمن ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي احسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم . "
خاتمة:
وفي الأخير يمكن القول ان الخطيب إذا سلك هذه المناهج وتحلى بها في دعوته اكيد أننا سوف نحصل على مجتمع آمن على المستوى العقدي دون تكفير أو تبديع أوتضليل من بعض أفراده للبعض الآخر، وسنعيش في ظل امة موحدة يتقبل بعضنا بعضا حتى وان اختلفنا في المعتقد .
كما أننا سنظل لحمة واحدة دون ميز أوعنصرية، ان تمسكنا بمنهج الطاعة لولاة الأمور ، استجابة لأمر شرعي ونبذا للفرقة وحفاظا على الجماعة .
كما سنحافظ على نظام الحياة الاجتماعية واستقرارها، وتجنيبها فتنة استفحال الجريمة ومغبة الانحلال الأخلاقي إذا حاولنا أن نحصن شبابنا من الأفكار المنحرفة، بدعوتهم بالتي هي أحسن الى الاستقامة على دين الله وطاعة امره، مصداقا لقوله تعالى : " ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ."
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
قمت بالقائه في اللقاء التواصلي الذي نظمه المجلس العلمي المحلي للصويرة بدار الطالب لفائدة خطباء الإقليم يوم 12 نونبر 2015